مقالات كبار الكتاب

دكتور محمود السعيد يكتب.. ظاهرة التشفّي في الموت

بقلم د. محمود السعيد .. نائب رئيس جامعة القاهرة

لا أعلم من أين جاءت إلينا ثقافة التشفّي في الموت بسبب اختلافات فكرية أو أيديولوجية، وهي ظاهرة انتشرت بشكل كبير في الفترة الأخيرة ووصلت حتى بين أهل العلم ونخبة المثقفين. كيف تسللت هذه الظاهرة إلى المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة بهذا الشكل المستفز؟ فالمتابع لمنصات التواصل الاجتماعي، سيجد أنها ظاهرة أصبحت معتادة.

إن التشفّي في موت إنسان، أيًّا كان اختلافنا العلمي أو الأيديولوجي معه، هو سلوكٌ لا يمكن تبريره، فعند الموت ينتقل الإنسان إلى حساب ربه، ووقتها يجب أن ننبذ كل خصومات الدنيا واختلافاتها.

عندما أفكر في هذه الظاهرة اسأل نفسي كيف انتقلت هذه الظاهرة إلى بعض من أهل العلم ونخبة المثقفين؟ فمن المفترض أن يكونوا قدوة لطلابهم، وأن يرشدوهم إلى ثقافة تقبل الرأي والرأي الآخر، لا أن ينزلقوا إلى أفعال تُحرض على الكراهية نتيجة اختلافات فكرية.

الاختلاف سنة كونية أرادها المولى عز وجل أن تكون بيننا لحكمة بالغة، ولو شاء سبحانه لجعل البشر على قلب رجل واحد وبفكر واحد وسلوك واحد، لكنه قال في كتابه الكريم: ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم﴾. وفي الحقيقة فإن اختلاف الفكر والمناهج عند البشر هو المحرك الأساسي للتطور والتقدم، ولولاه لما ازدهرت الحضارات والمجتمعات، ولا يمكن أن يكون هذا الاختلاف مبرراً للانتقال من نقد الأفكار والتوجهات المختلف عليها إلى الشماتة في الموت أو النيل من قيمة إنسان رحل ولم يعد قادرًا على الدفاع عن نفسه. من حقنا جميعا أن نختلف مع الآخرين سواء كانوا أحياء أم أموات، لكن يجب أن نتعامل مع هذا الاختلاف بالعقل والحكمة، لا باللجوء إلى التجريح، خاصة مع من توفاهم الله، فهم بين يدي المولى عز وجل وحسابهم عنده وحده.

الأمثلة على ما أقوله كثيرة، فمنذ شهور قليلة، انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي منشور لأحد الأشخاص يدعو فيه على أستاذ جامعي توفاه الله بدعاء مسيء ومهين. وما أثار دهشتي وصدمتي هو قيام المئات بمشاركة هذا المنشور، ومن بينهم عدد غير قليل من الأكاديميين وطلاب العلم، دون التأكد أو التحقق من الادعاءات الموجودة بالمنشور. وكأن مجرد قراءة منشور يدعي فيه صاحبه أنه مظلوم أصبحت كافية لتصديق رواية مجهولة المصدر، لا تتضمن أي تفاصيل أو وقائع أو سياق واضح لهذا الظلم المزعوم. وفي هذه الواقعة تحديدا تبيّن لاحقًا، وببيان رسمي من جامعة الأستاذ المتوفى، أن كل ما أُثير كان عارٍ تمامًا عن الصحة. والسؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا هو كيف سقط بعض من يُفترض فيهم الوعي في هذا الفخ الذي يحذرون طلابهم دائما من الوقوع فيه؟

وفي وقائع أخرى، نجد منشورات تتضمن النيل من سمعة أشخاص راحلين بسبب اختلافات فكرية أو سياسية. وفي كل مرة يتحول النقاش إلى سجال بين مؤيد ومعارض على وسائل التواصل، في مشهد يعكس حجم التراجع في أخلاقيات الاختلاف، والبعد عن التقاليد الأكاديمية والإنسانية التي تربينا عليها.

لقد تعلّمنا من الأديان والأعراف التي نشأنا عليها، أن حرمة الميت شيء عظيم لا يجب المساس بها، وأن من أخلاقنا المتوارثة هو أن نقول خيرًا أو نصمت، ففي حديث شريف يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم

«اذكروا محاسن موتاكم وكفّوا عن مساوئهم».

تربينا على تقاليد مصرية أصيلة تحترم لحظة الموت وجلاله، فكان أهلنا يمتنعون عن تشغيل الراديو أو التلفزيون إذا كانت هناك حالة وفاة في الشارع، حتى لو كانت بيننا وبين أهل المتوفي عداوة، حتى وإن كانت المسافة بيننا وبين بيته مئات الأمتار. كان حزن الجيران يُوقَّر، والصمت يسود، والموت له جلاله تحترم.

نحتاج اليوم أن نستعيد ما افتقدناه من مبادئ وأخلاق، وهي أن نناقش الأفكار، لا الأشخاص وخاصة من رحلوا، نناقشها بموضوعية وتجرد، دون إساءة أو تشويه، ودون شخصنة، وحتى لو بلغ الاختلاف الفكري أو السياسي أو العقائدي أقصى مداه، فإن الدعاء على الموتى بحرمانهم من الرحمة ليس من الأخلاق، ولا من الدين، ولا من أعراف المجتمعات السوية.

عندما يموت من نختلف معه، فإما أن ندعو له بالرحمة، أو نصمت إن لم نستطع ذلك. وإذا أردنا نقد أفكاره أو اعتقاداته أو ايديولوجيته، فلنفعل بالعقل والمنطق والحكمة، وبعد أن تهدأ النفوس، ليس في لحظة الوفاة بلغة التشفي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى