دكتور صبري الغياتي يكتب .. اللغة العربية في يومها العالمي بين اللغة العربية والمتكلمين بها
حميمية العلاقة بين العرب ولغتهم
بقم دكتور صبري الغياتي
اللغة العربية في يومها العالمي بين اللغة العربية والمتكلمين بها حميمية العلاقة بين العرب ولغتهم
أحب العرب لغتهم العربية كأشد ما يحب إنسان لغته، وتفاخروا بها وجعلوها رمزا لهويتهم العربية الأصيلة، وثمت نوع من العلاقة بين اللغة العربية والمتكلمين بها، فبينما يعرف عن العرب الكرم والسخاء تجد أن لغتهم تتسم بهذا الوصف، فهي من أغنى اللغات وأكثرها ثراء، وأنت تحار بين اللغة والمتكلمين بها، فلا تدري أهم الذين نقلوا الثراء والسخاء للغة؟ أم أن اللغة هي التي نقلت إليهم من طباعها وأفاضت عليهم من خصائصها ما جعلهم أهل الكرم والجود به يعرفون، وبعطائهم سار السهل والجبل وتحدث به الحاضر والبادي، ويصور لنا الشاعر الجاهلي الحطيئة في قصيدة رائعة هي من عيون الشعر العربي الجاهلي مبلغ ما كان عليه العربي من سخاء وكرم حتى إن الابن يقدم نفسه بسماحة ليذبحه أبوه ويقدمه طعاما للضيفان ولا يعتذر بالعدم، قال:
وطاو ثلاثا عاصب البطن مرمل ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما
ثم يقول:
رأى شبحا وسط الظلام فراعه فلما رأى ضيفا تشمر واهتما
فقال: أيا رباه ضيف ولا قرى بحقك لا تحرمه تا الليلة اللحمَ
فقال ابنه لما رآه بحيرة: أيا أبت اذبحني ويسر له طعما
ولا تعتذر بالعدم عل الذي طرا يظن لنا مالا فيوسعنا ذما
كل هذا الكرم، وكل هذه التضحية من أجل إكرام الضيف في بيت يعاني أهله من العُدْم وعَدَم الوُجد، فكيف كان حال أثريائهم؟
إن التاريخ يحدثنا عن الفاكه بن المغيرة، وأنه كانت له دار للضيافة لا توصد أمام أحد من الناس ليلا أو نهارا، وليست قصة حاتم الطائي منا ببعيدة، فهل نقل العرب هذا الكرم من طبيعة لغتهم الثرية المعطاء؟ أم أن اللغة هي التي نقلت عنهم هذا الثراء والعطاء؟ سؤال يحار العقل في الإجابة عنه وهو يتأمل تلك العلاقة العجيبة بين اللغة العربية والمتكلمين بها، نعم أحب العرب لغتهم، وجعلوا اهتمامهم بها اهتماما بالهوية والوجود، ونحن نروي من سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه استرضع في بني سعد وهي قبيلة بدوية تعيش في البادية، وتلك لمحة لم تكن للرسول (صلى الله عليه وسلم) فحسب، بل كانت عادت العرب أن يسترضعوا أبناؤهم في البادية ليرتضعوا اللغة من منابعها الصافية، وهذا من معالم اهتمامهم باللغة التي هي عنوان الوجود، فقد كانت اللغة هي محل اهتمامهم الأول، ولم نسمع عن قوم أقاموا معارض وأسواقا للغة كما بلغنا عن أسواق عكاظ وذي المجنة وغيرها من الأسواق العربية التي كانت معارض للغة، يعرض فيها الشعراء أشعارهم، ويتم تقويم الأفضل، حتى سمعنا عن المعلقات والمسمطات والمذهبات وغيرها من المصطلحات التي هي في الحقيقة أوسمة للكلام العربي والقصائد العربية الرائعة.
أعطى العرب للغتهم حياتهم واهتمامهم، وجعلوها في المقام الأسمى من حياتهم، فأفاضت عليهم اللغة الشريفة من كريم طباعها ومن جميل معانيها وألفاظها ما جعلهم أرباب الفصاحة والبيان، نعم. فتلك هي الحقيقة اللغوية الفريدة، وتلك هي العلاقة بين اللغة العربية والمتكلمين بها حقيقة، وكأن اللغة تنفعل مع المتكلم، وعلى قدر عطائه لها يكون عطاؤها له، تطاوعه حيثما أراد التعبير في كل فن وفي كل موطن، بشرط أن لا يبخل المتكلم عن لغته وأن تكون في دائرة اهتماماته الأولى. نعم أعطت اللغة العربية للعرب قيادها فملكوا ناصية الكلام وعُرفوا بأنهم أرباب اللسان وملوك البيان، ثم جاء القرآن….
جاء القرآن الكريم باللغة العربية فكان ذلك أعظم عطاء لها، وكأني بها تتيه فخرا على نظيراتها من اللغات الأخرى، فماذا قدمت
اللغة العربية للقرآن الكريم؟ وماذا قدم القرآن الكريم للغة العربية؟ وما الذي فعله القرآن الكريم باللغة حتى أصبح العرب وكأنها ليست لغتهم التي عاشوا لها وبها، أو كأنها جمعت فأُفرغت إفراغا جديدا، أو خلقت خلقا جديدا
هذا موضوع حديثنا في الحلقة التالية
نسأل الله تعالى العون والتوفيق والسداد
دكتور صبري الغياتي
مدير مكتب معالي الوزير بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية






