مقالات كبار الكتاب

د. محمود السعيد يكتب .. تحسين جودة الأرقام وتحقيق التنمية المستدامة

بقلم: د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة

تعد دقة الأرقام الرسمية الصادرة عن الأجهزة الحكومية مثل معدلات الفقر، والتضخم، والبطالة، وغيرها من الأرقام القومية من أهم المتطلبات لاتخاذ القرارات الصحيحة. ولذلك، فتحسين جودة هذه البيانات الرسمية يعتبر ضروريًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورفع مستوى الثقة في الآداء الحكومي. فمن المعلوم أن اتخاذ القرارات المبنية على أدلة يتطلب أن تكون البيانات دقيقة وموثوقة حتى يستطيع صانعي القرار وضع سياسات أكثر فعالية وكفاءة. كما أن المؤسسات الدولية المعنية بإصدار مؤشرات خاصة بالشفافية دائما ما تؤكد على أهمية أن تكون الإحصاءات الصادرة عن الأجهزة والمؤسسات الحكومية دقيقة، مما ينعكس إيجابيًا على ترتيب الدولة في مؤشرات الشفافية ويزيد من ثقة المؤسسات الدولية فيها. كما تساعد دقة الأرقام على كفاءة تقييم أداء المؤسسات الحكومية وتحديد مجالات التحسين، وكذلك تعزيز بيئة الاستثمار لأن توفر البيانات الجيدة حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي يعتبر من أهم محفزات الاستثمار المحلي والأجنبي.

وفي العديد من الدول الشرق أوسطية يوجد تحديات كبيرة تواجه جودة البيانات الرسمية المعلنة عنها، وأهمها اختلاف الرقم المعلن من جهات أو مؤسسات مختلفة لنفس المؤشر في نفس الفترة الزمنية مما يؤدي إلى التشويش والإرباك بسبب تضارب البيانات. أيضا هناك مشكلات خاصة بعملية تحديث البيانات، حيث تعتمد العديد من الدول على بيانات قديمة لا قيمة لها في اتخاذ القرارات الآنية. كما قد تفتقر بعض المؤسسات الحكومية في هذه الدول إلى الكفاءات العلمية اللازمة لتحليل البيانات بشكل علمي سليم ومن ثم استخراج أرقام تعبر عن مستوى الظاهرة بشكل صحيح. وفي دول أخرى لا يكون هناك شفافية في نشر منهجية جمع البيانات ومعايير حساب الأرقام، مما يؤدي إلى الشكوك حول دقتها. ولا يخلو الأمر في بعض الأحيان من تسييس البيانات، فقد تؤثر التوجهات السياسية أحيانًا على دقة أو موثوقية الأرقام الصادرة.

وهناك عدة آليات تتبعها الأجهزة الإحصائية حول العالم لتحسين جودة البيانات الرسمية، من أهمها تعزيز ورفع الكفاءة التقنية للعاملين في الأجهزة الحكومية، عن طريق تدريبهم على أحدث التقنيات في جمع البيانات وتحليلها. أيضا تحرص الأجهزة الإحصائية على الالتزام بتطبيق المعايير الدولية في حساب الأرقام الرسمية والتي توصي بها المؤسسات الدولية المختصة لضمان موثوقية الإحصاءات الصادرة. وقامت بعض الأجهزة الإحصائية بإطلاق منصات بيانات مفتوحة، بشرط عدم المساس بمتطلبات الأمن القومي للدولة، وهذه المنصات تتيح للمواطنين والباحثين الوصول إلى البيانات بسهولة، وهو ما يعزز وضع الدولة في مؤشرات الشفافية. وتلجأ العديد من الأجهزة الإحصائية في وقتنا الحالي إلى استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحسين دقة وسرعة جمع البيانات وتتعاون مع الجامعات ومراكز البحوث لضمان مراجعة البيانات وتحليلها بشكل موضوعي.
وختاما نؤكد على أن تحسين جودة الأرقام الرسمية المعلنة هواستثمار هام جدا في مستقبل الدول، حيث يساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وزيادة ثقة المواطنين في المؤسسات الحكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى