مقالات كبار الكتاب

د. محمود السعيد يكتب .. الإصلاح الإداري ودوره في مكافحة الفساد

بقلم أ. د. محمود السعيد .. نائب رئيس جامعة القاهرة

منذ عام 2014، أولت الدولة المصرية اهتمامًا كبيرًا بملف مكافحة الفساد والوقاية منه، وأطلقت استراتيجيتها الوطنية لمكافحته في 9 ديسمبر من ذلك العام. تضمنت الاستراتيجية خمسة أهداف رئيسة تُعد الركائز الأساسية لمكافحة الفساد، أولها تحسين كفاءة وفعالية الجهاز الإداري للدولة لتقديم خدمات متميزة للمواطنين والمستثمرين.

يعلم الجميع أن الجهاز الإداري الحكومي في مصر يعاني من مشكلات هيكلية موروثة منذ عشرات السنين، وأهمها التطبيق السيء للنظام البيروقراطي، والذي كان هدفه الأساسي هو تنظيم أداء الخدمات العامة وتسهيلها وفق مسؤوليات محددة يمكن من خلالها تطبيق أحد معايير الحوكمة الهامة وهو المسائلة. أدى هذا التطبيق السيء للنظام إلى تراجع كفاءة الجهاز الحكومي عبر الزمن وتقليل رضا المواطنين عن أدائه. كما أن انطباع البعض بانتشار الفساد يعود في جزء كبير منه إلى هذا التطبيق السيء للنظام البيروقراطي. لذا وضعت الدولة المصرية قضية الإصلاح الإداري وتحسين كفاءة الجهاز الإداري للدولة على رأس أولوياتها ضمن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، مع تحديد خمسة أهداف فرعية لتطوير أداء الجهاز الحكومي ومعالجة التحديات المتراكمة.

ويتعلق الهدف الفرعي الأول للإصلاح الإداري في الاستراتيجية بتحديث البنية التشريعية والمؤسسية، ويتضمن مجموعة من آليات التنفيذ ومنها على سبيل المثال تحديث القوانين واللوائح والهياكل الإدارية الحاكمة لعمل الجهاز الإداري، بما يعزز كفاءته وفعاليته. كما تشمل الآليات تحسين بيئة العمل والبنية التحتية للوحدات الحكومية، مما يساعد العاملين بالجهاز الحكومي على الإنجاز. ومن المبادرات المهمة في هذا الإطار، “جائزة مصر للتميز الحكومي”، والتي تنفذها وتشرف عليها وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية سنويا منذ 2019، التي تكرّم الأفراد والمؤسسات الحكومية المتميزة في الأداء.

والهدف الفرعي الثاني يتعلق بتطوير منظومة الموارد البشرية: حيث تركز الجهود المبذولة لتحقيق هذا الغرض على تحديث مدونات السلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة، والتي تحدد حقوق وواجبات الموظفين وآليات محاسبتهم. كما تتضمن برامج تدريبية لموظفي الجهاز الإداري على مبادئ مكافحة الفساد، إضافة إلى حصر الوظائف الأكثر عرضة للفساد وتطبيق نظام تدوير شاغليها.

أما الهدف الفرعي الثالث فيعنى بتعزيز قيم النزاهة والشفافية في المؤسسات الحكومية: حيث يتحقق هذا الهدف من خلال إتاحة المعلومات حول الخدمات الحكومية وإجراءاتها عبر المواقع الإلكترونية التي تطلقها مؤسسات الدولة، وتتيح من خلالها إمكانية الحصول على الخدمات وأيضا المعلومات الخاصة بالحصول على الخدمة وتكلفتها لمن يرغب في الطرق التقليدية للحصول على الخدمات. كما يشمل تحقيق هذا الهدف ميكنة منظومتي المخازن والمشتريات لضمان الشفافية في التعاقدات العامة والحد من إهدار المال العام.

أما الهدف الفرعي الرابع فيهتم بتحسين منظومة الخدمات العامة من خلال التوسع في تقديم الخدمات الحكومية إلكترونيًا وفقًا لمعايير الجودة، وربط الوحدات الحكومية إلكترونيًا، حيث إن هذا الربط يؤدي إلى توفير الوقت والتكلفة على المواطن، كما يؤدي إلى حوكمة تنفيذ الخدمات الحكومية. كما يتضمن تحقيق هذا الهدف إنشاء المزيد من المراكز التكنولوجية المتميزة في جميع المحافظات، حيث توفر هذه المراكز خدمات متنوعة للمواطنين، مثل الخدمات الخاصة بالأحوال المدنية والتوثيق والشهر العقاري، وغيرها من الخدمات الحكومية الأخرى، ما يسهم في تسهيل وصول المواطنين إلى الخدمات، خاصة في المناطق الريفية والحدودية.

الهدف الفرعي الأخير والذي لا يقل أهمية عن الأهداف السابقة يتعلق بتسهيل إجراءات المستثمرين، حيث كانت الإجراءات الإدارية المعقدة دائما أهم معوقات الاستثمار في مصر. لذا تسعى الدولة إلى تحديث وميكنة مراكز خدمات المستثمرين عبر مكاتب “الشباك الواحد” وفق أفضل المعايير الدولية. كما تشمل الجهود الخاصة بهذا الهدف تدريب الموظفين المتعاملين مع المستثمرين على مبادئ الحوكمة ومكافحة الفساد.

والمتابع لنتائج تطبيق الاستراتيجية الوطنية قد يلحظ بعض الإصلاحات الملموسة، لا سيما في تسهيل المعاملات الحكومية عبر رقمنة الخدمات والدفع الإلكتروني. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من الجوانب التي تحتاج إلى تطوير في الجهاز الإداري، حتى يتحقق الهدف القومي الذي نسعى لتحقيقه منذ عقود وهو وجود جهاز إداري حكومي مصري يؤدي خدماته بكفاءة وفعالية للمواطن والمستثمر.

إن الإصلاح الإداري ليس مجرد مجموعة من الآليات لتحسين البنية التحتية أو تحديث القوانين الحاكمة لعمل الجهاز الإداري؛ بل هو عملية شاملة تهدف إلى بناء جهاز حكومي كفء يتمتع بالنزاهة ويخدم المواطنين والمستثمرين بكفاءة وشفافية وفاعلية. ومع استمرار الدولة في تطبيق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد والتي بدأت نسختها الثالثة في يناير 2023 وتنتهي مع رؤية مصر للتنمية المستدامة في 2030، يتوقع أن يحقق الجهاز الإداري للدولة المصرية تقدمًا ملموسًا على جميع الأصعدة.

ختامًا، لتحقيق الأهداف القومية المتعلقة برفع كفاءة منظومة العمل الإداري لا بد من التأكيد على أهمية التعاون بين جميع الجهات المعنية لتحقيق أهداف الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد، حيث إن التحديات كبيرة، لكن الإرادة السياسية والإجراءات المطبقة منذ عام 2014 تؤكد جدية الدولة المصرية في بناء مستقبل أفضل وتحقيق أهداف التنمية المستدامة بأبعادها الثلاثة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى