مقالات كبار الكتاب

عبدالوهاب خضر يكتب .. هؤلاء وحدهم يصنعون برلمانًا يليق بالشعب…ويليق بالدولة

بقلم عبدالوهاب خضر

في لحظة سياسية دقيقة تعيشها الدولة، تبدو الحاجة إلى “النائب البرلماني الحق” أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالبرلمان ليس مجرد مؤسسة دستورية، بل مرآة لضمير الأمة، وساحة حقيقية لقياس من يقف مع الشعب ومن يقف ضده، ومن يعمل لصالح الدولة لا لمصالحه الشخصية. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين من يرى في المقعد “فرصةً للنفوذ”، وبين من يراه “واجبًا ومسؤولية تاريخية” تجاه الوطن والمواطن.

النائب الحق ليس ذلك الذي يكتفي بالجلوس تحت القبة ورفع اليد في التوقيت المناسب، ولا ذاك الذي يتوارى خلف شعارات رنانة. النائب الحقيقي هو الذي يمتلك الجرأة على المواجهة، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ولا يسمح لتحالفات عابرة أو ضغوط خفية أن تُشكِّل ضميره النيابي أو تحدد مواقفه.

إنه النائب الذي يدرك أن السكوت على الخطأ مشاركة فيه، وأن المساومة على الحق هي أول أبواب الفساد، وأن قوة البرلمان لا تُقاس بعدد المقاعد بل بقدرة أعضائه على حماية مصالح الناس وصون هيبة الدولة.

الفارق بين النائب الحق وسواه واضح: فهو لا يتحول إلى مجرد “مؤيد دائم” للحكومة، ولا يصبح “معارضًا استعراضيًا” يبحث عن الأضواء… بل يقف في المنطقة الأصعب والأشرف: منطقة الدولة؛ يمارس الرقابة دون عدائية، ويدعم الإصلاح دون تملّق، ويحاسب دون ضجيج أو متاجرة بالمواقف. هذه المعادلة وحدها كافية لكشف معدن البرلماني الحقيقي.

الأمم تُبنى بالقوانين، والنائب الذي يفهم دوره يعرف أن كل مادة يوافق عليها ستنعكس على حياة الناس لسنوات طويلة. لذلك، فالنائب الحق يرفض أن يكون مجرد رقم، ويُصرّ على أن تكون القوانين سياجًا للعدالة لا مظلةً للنفوذ. يقرأ، ويدقق، ويحلل… ولا يخون ضميره بالتصويت على ما لا يفهمه أو ما لا يقتنع به، لأن ضمير التشريع عنده يعلو فوق كل الاعتبارات.

ويظل النائب الحق واحدًا من القلائل الذين لا يغيّرون بوصلتهم؛ فمصلحته الأولى والأخيرة هي الدولة. يرى أن حماية مؤسساتها واجب وطني، وأن تعزيز الثقة بينها وبين الشعب مسؤولية لا يجوز التفريط فيها أو المساومة عليها.

النائب الحقيقي ليس ابن مقعده، بل ابن دائرته؛ يتعامل مع الناس بصفته خادمًا عامًا لا صاحب سلطة، ويستمد قوته من صدق تواصله معهم. لا يخشى النزول إلى الشارع، ولا يخشى سماع الشكوى، ولا يُجمّل الحقائق لأحد، لأن الناس تفهم وتراقب وتعرف جيدًا من يعمل للوطن ومن يعمل لنفسه.

والنائب الحق يدرك أن التاريخ لا يرحم، وأن نزاهته هي رأسماله الحقيقي؛ فلا يرتبط بالمال المشبوه، ولا يورّط نفسه في مصالح خاصة، ولا يسمح بإساءة استخدام موقعه أو نفوذه.

الدول التي تبحث عن مستقبل مستقر تحتاج إلى نواب من طراز مختلف: نواب يمتلكون إرادة المواجهة، وضمير التشريع، ونقاء الموقف؛ نواب لا يتبدلون بتبدل الظروف ولا ينحنون أمام الضغوط؛ نواب يعرفون أن الوطن أكبر من المقاعد، وأن ثقة الناس أعظم من أي منصب.

هؤلاء وحدهم يصنعون برلمانًا يليق بالشعب… ويليق بالدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى