مقالات كبار الكتاب

دكتور محمود السعيد يكتب..الحفاظ على الهوية الوطنية: بين الاستشراق والعصر الرقمي

بقلم د. محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة

في الشهر الماضي، نظّمت كلية دار العلوم بجامعة القاهرة مؤتمرًا علميًا مهمًا بعنوان الاستشراق والهوية، شارك فيه نخبة من العلماء والباحثين، وفي مقدمتهم فضيلة مفتي الديار المصرية الأسبق الدكتور علي جمعة، ومدير مكتبة الإسكندرية الدكتور أحمد زايد. وقد ناقشت جلسات المؤتمر التأثيرات العميقة للدراسات الاستشراقية في تشكيل صورة الشرق عمومًا، والهوية المصرية على وجه الخصوص، خاصة في مجالات اللغة والأدب العربي.

إن الاستشراق لم يكن في مجمله مجرد دراسات لغوية أو تاريخية مجردة من الغرض، بل شكّل في كثير من مراحله التاريخية، إطارًا فكريًا أسهم في تصورات الوعي الغربي عن العالم العربي والإسلامي، وتراوحت الإسهامات الاستشراقية بين البحث العلمي الرصين في بعض منها، وبين الكثير من الأطروحات المنحازة التي ارتبطت بسياقات وأهداف سياسية وثقافية محددة. ومن هنا وجب على الباحثين المصريين في هذا المجال تبنّي رؤية علمية نقدية متوازنة، لا تقوم على الرفض المطلق للدراسات الاستشراقية ولا القبول غير المشروط بها، بل تقوم على قراءة معرفية هادئة تُنصف الجهود الجادة غير المتحيزة، وتفكك في الوقت ذاته أنماط التحيز والصور النمطية.

وتتضاعف أهمية هذه الرؤية اليوم في ظل الثورة المعلوماتية والاتصالاتية، التي نتجت عن الثورات الصناعية الحديثة، وما فرضته من انفتاح ثقافي غير مسبوق لشبابنا على الغرب، وتسببت في تهديدات حقيقية للهوية الوطنية المصرية. فالهوية ليست مجرد تقاليد أو زي أو مظهر، بل هي ممارسة يومية تنعكس في كيفية استخدام اللغة وطريقة ممارسة الدين والحفاظ على العادات والقيم والفضائل. كما أن تقلص دور الأسرة في عصر ثورة الاتصالات، وتراجع الوظيفة التربوية للمدرسة لصالح التحصيل الأكاديمي المجرد، إلى جانب التأثير الطاغي للإعلام التجاري والفضائيات، كلها عوامل عمّقت أزمة الهوية، مع ما خلفه الاستشراق من تأثيرات سلبية، وتداعيات ثورة المعلومات.

من ناحية أخرى أسهمت العولمة الثقافية والاقتصادية، التي تبنتها الولايات المتحدة منذ تسعينيات القرن الماضي وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، في تعميم أنماط استهلاكية وسلوكية غربية على مجتمعاتنا العربية، وذلك بدعم من الشركات متعددة الجنسيات ووسائل الإعلام الحديثة، بما أدى إلى زيادة التأثيرات السلبية على الهوية الوطنية. ويبرز في هذا السياق تنامي استخدام اللغة الإنجليزية، خاصة في التعليم الخاص والدولي، على حساب اللغة العربية، وهو الأمر الذي ينذر بمخاطر حقيقية على لغتنا العربية، لغة الهوية والثقافة، رغم الجهود الرسمية المبذولة من الدولة والقيادة السياسية للحفاظ عليها.

إن مواجهة هذه التحديات التي تواجه الهوية الوطنية لا تعني الانغلاق على الذات أو رفض العصر، فالصين كنموذج نجحت في الحفاظ على الهوية على رغم من قيادتها مع دول أخرى كبرى للثورة المعلوماتية. هذه المواجهة تستلزم تبني مبدأ الأصالة والمعاصرة معا، على غرار تجربة الصين التي نجحت في التقدم التكنولوجي دون التفريط في هويتها، فالتكنولوجيا ووسائل الإعلام نفسها، التي تُتَّهم بطمس الهوية، يمكن توظيفها بشكل جيد في تعزيز الانتماء الثقافي وترسيخ القيم الوطنية.

وختاما نؤكد أن مسؤولية غرس الهوية الوطنية هي مسؤولية جماعية يتحملها كل فرد، تبدأ من الأسرة والتربية، وتمر بالمدرسة وأنشطتها التعليمية والثقافية، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، ولا تنتهي عند سياسات الحكومة للحفاظ عليها. بعد فشل نموذج العولمة الغربي أيقن العالم أن القدرة على الحفاظ على الهوية مع عدم الانعزال عن عالم مترابط ومتصل، هي وحدها السبيل إلى الحضور الفاعل في الحاضر، وصناعة المكانة القوية في المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى