إسلاميات

المنشد عبد الحكيم الزيات: السلطان أحمد التوني مثلي الأعلى.. والمنافسة مع الفرق السورية في صالحنا

بطربه وسلطنته المعهودين وصوته الأخاذ، رائحة إنشاده العطرة الزكية، التي جعلته بحق عبير المداحين وأنداهم صوتاً، يقابلك بابتسامته الجميلة وأدبه الجم وتواضعه الذي يجعله مع تلك الشهرة والصيت الذائع واحداً من أكثر المداحين أدباً ومكانةً، لا يأنف أن ينزل الناس منازلهم وإن كانوا منافسين له أو أصغر منه سناً، فهو يرى أن الإنشاد مدرسة يتعلم فيها الجميع ليس لها رائد ولا يوجد بها كبير إلا أن احترام التاريخ يظل عنواناً لها”.. إنه الشيخ عبد الحكيم الزيات الملقب بـ” عبير المداحين”.

“الزيات” الذي استضافته “اليوم الاول” على خلفية الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف، يمتاز بقدرته على إتقان أفصح القصائد الصوفية والتي كتبها رواد التصوف كـ”ابن الفارض، ومحي الدين بن عربي”، وصوته الشجي الذي لا يحتاج لآلات أو معازف من شأنها أن تضيف إليه، كشف عن بدايته التي كانت مع أواخر فترة السبعينيات بمدينة ملوي محافظة المنيا، والتي قدم إليها في الحادية عشرة سنة قادماً من قريته التابعة لمحافظة أسيوط، وعن مثله الأعلى في هذا اللون من الطرب الذي يدين بالفضل إلى سلوكه إلى والده وإلى الشيخ فهمي خليل مكتشف المواهب والذي كان سبباً في بزوغ شمس سلطان المداحين ياسين التهامي.

لقاء “الزيات” تضمن العديد من الملفات المتعلقة بنشأة وحال الإنشاد المصري، وكيف استطاع أن يتأقلم مع الظروف الراهنة وتفشي جائحة كورونا وإلغاء الاحتفالات والموالد على مدار عامين متتالين؟، وكيف استطاع المنشدون أن يطوروا من أنفسهم ويقتحموا الفضاء الإلكتروني بديلاً للساحات.. وإلى نص الحوار..

المنشد عبد الحكيم الزيات

رحلة إلى سماء الإنشاد 

* في البداية.. من هو عبد الحكيم الزيات؟ وما هو سر لقب ” عبير المداحين”؟
عبد الحكيم أحمد حمودة إبراهيم الزيات وشهرتي عبد الحكيم الزيات، ابن من أبناء محافظة أسيوط قرية بني محمد حيث النشأة والمولد بها في 10 مارس 1963م، قضيت بها فترة الابتدائية كاملة قبل أن يقرر والدي السفر إلى مركز ملوي محافظة المنيا، وكنت وقتها ابن 11 عاماً، وكنت أثناء الدراسة الإعدادية والثانوية أميل للطرب، في وقت كان يسيطر عليه عبدالحليم حافظ، والدكتور محمد عبد الوهاب، وغيرهم، فكنت أميل للغناء مثلهم، وكان زملائي في الدراسة يحبون سماع صوتي، حتى قام والدي وكان نائباً للطريقة البرهامية وقتها، فطلب مني أن اتجه للإنشاد أو القرآن.

لما دخلت الجيش دعا والدي في إحدى الليالي الشيخ ياسين التهامي عميد الإنشاد الديني، وبعض الأحباب، آواخر فترة السبعينيات ورغم صعوبة الكلمات التي قالها وهي قصيدة لسيدي عمر ابن الفارض، إلا أن كلماتها مست قلبي، بعدها وجهني والدي للموالد وبدأت أسمع سلطان المداحين الشيخ أحمد التوني ولما كبرت وترك أثرا كبيرا فيها.
أما عن لقب “عبير المداحين” فهو أمر يترك للدراويش في الموالد وحبهم للمداح وبدأنا نسمع عن سلطان وعميد وغيرها من الألقاب وهي شرف أكيد للمداح أن يتفق الناس على صوته.

المنشد عبد الحكيم الزيات ومحرر اليوم الاول

* حدثنا عن دخولك عالم الإنشاد؟ ومن هو مثلك الأعلى فيه؟
اكتشفني الشيخ فهمي خليل وهو من بلد عميد المداحين الشيخ ياسين التهامي وهو من اكتشفه بالمناسبة، وقال لي: أنت ليك هوى في هذا الفن؟ فقلت: اه، وهو كان من الدرويش ومحب للموالد، وبدأ يصحبني معه. وقد تعلمت كثيراً من عميد المداحين الشيخ ياسين التهامي ولما بدأت أكبر وجدت السلطان الشيخ أحمد التوني وهو مثلي الأعلى ولو كنت عرفته قبل كده كان طريقي اختلف تماماً.

* لكن يظل يردد المداح والمنشد المصري بأن هناك تقصيرا في تسليط الضوء عليه.. لماذا؟
حقيقي.. الاهتمام بالمداحين بدأ مؤخراً فقبل 30 سنة كان المنشد يحمل فنه ورسالته ويلف بها القرى والمدن والنجوع والموالد في أقصى الجنوب وأقصى الشمال والشرق والغرب حتى يعرف، وكنا في السفر إلى الخارج نجد اهتماماً أكثر بكثير مما نراه هنا، فالعالم الغربي كان يرى فينا الثقافة الدينية للمصريين والمسلمين وكان يسمع لنا ونحن نتحدث باللغة العربية الفصحى ويرى فينا أخلاق المسلمين وطيبة الشعب المصري فيحبنا أكثر.

 

* بالحديث عن النظرة الغربية لهذا الفن.. ما الذي يميز الإنشاد المصري ومدرسته؟
المديح والإنشاد المصري له مدارس عريقة بدأت مع الشبيكي والقبيصي والسلطان أحمد التوني والعميد ياسين التهامي والشيخ عمر السمان وغيرهم ولها ما يميزها فهي تجمع بين اللغة العربية الفصحى الذي يفهمها الجميع وطريقة الإلقاء التي تجذب إليها الناس على اختلاف لغاتهم وثقافتهم.

تكريم المنشد عبد الحكيم الزيات

* وما هو الفرق بين الابتهال الديني والمديح من وجهة نظرك؟
الابتهال الديني بيكون داخل المسجد دون إيقاع أو موسيقى، لكن المديح يتطلب الإيقاع والموسيقى، ومن الصعب أن يكون المبتهل مداحاً والعكس أيضاً فكل منهما لون مختلف عن الآخر وإن كان مصدرهما ومسلكهما واحد. 

* وهل استفاد الإنشاد في الوقت الراهن من السوشيال ميديا؟
أكيد.. “احنا قعدنا فترة كبيرة جداً عشان نقدر نعرف الناس بينا وزي ما سبق وقلت كنا بنلف مصر والعالم شرق وغرب وشمال وجنوب عشان يعرفونا النهاردة الكل بيقدر يسمعنا ويشوفنا في أماكن كتير جداً وفي نفس التوقيت وده خلانا نتعرف أكتر بالنسبة للجيل الجديد”.

* هل تأثرتم سلباً بالإجراءات الاحترازية لمواجهة كورونا وإلغاء الموالد؟
أكيد.. ويمكن فترة كورونا كان فيها جوانب إيجابية وجوانب سلبية.. الإيجابي إننا بدأنا نتعرف أكتر على أساليب التواصل الجديدة، لكن السلبي هو إلغاء الحفلات والموالد وإن بدأت الأمور تتعافى بعض الشيء لكن في الحفلات هناك جانب روحي يستمد من الجمهور يصعب تعويضه بوسائل أخرى.

* حدثنا أكثر عن مدارس الإنشاد العربي وأيهما الأقرب للمدرسة المصرية؟
الإنشاد والمديح بصفة عامة يرتكز في عدد من الدول العربية وده مرتبط بعوامل تراثية فمثلاً في المغرب العربي هيبقى فيه تونس والمغرب لأنهم بلد سيدي عمر الفارض وسيدي أبو الحسن الشاذلي، في لبنان بسبب مخطوطات ابن عربي، والسودان عشان فيها طرق صوفية مختلفة، بالإضافة لسوريا والعراق طبعاً.

* بالحديث عن اللون السوري.. هل تأثرتم بقدوم الفرق السورية إلى مصر خاصة بعد أحداث 2011م؟
أكيد.. أصبح هناك منافسة وللأمانة تضيف لينا وليهم وتجعلنا نقدم الأفضل ونحن نميل إليهم وهم يميلون إلينا بحكم ظروف وعوامل أخرى بتجمعنا كأشقاء عرب.

* البعض يرى اختلافاً بين الإنشاد في الوجه القبلي عنه في الوجه البحري.. فما سبب ذلك؟ 
“الصعيد محتفظ بعاداته وتقاليده وحرصه على الإنشاد والذكر في جميع مناسباته سواء أفراح أو طهور، ويكون الأمر قائم على اللغة العربية الفصيحة لأن هناك عمالقة في مدارس تلاوة القرآن أنجبهم الصعيد، لكن في الوجه البحري بيكون المدح ارتجالي ومش شرط فيه يكون باللغة العربية الفصيحة زي الصعيد”.

* هل نمتلك في مصر اليوم مقومات تساعد على استمرارية الإنشاد وريادته؟
“طبعاً.. زي ما قولت مجتمع الصعيد والوجه القبلي يمتاز بحرصه على إقامة حفلات المدح والذكر وربطها بكل أفراحه ومناسباته الحياتية وده أمر ساعد في استمرارية صعود شباب صغير واقتحامه عالم الإنشاد بعضهم يبدأ من الابتدائية فما فوق، وبيحاول يقتدي بوالديه ويحرص على حضور حلقات الذكر والإنشاد ويتأثر بنا”.

* ماذا عن الطبقات المجتمعية الحريصة على الاستماع لهذا اللون من الطرب؟
“في الفترة الأخيرة بدأت المجتمعات الراقية في استضافتنا وتنظيم ليالي وحفلات للمديح وده أمر كنا مفتقدينه، فبدأنا بنشوف حفلات ذكر في التجمع الخامس والزمالك وغيرها، وده أمر نتاج عن الوعي وإدراك قيمة هذه الروحانيات فما نقوله من مدائح في الأصل منبعها صحيح التصوف ووسطية الإسلام وسماحته ودي أمور بتغذي الروح ويحتاجها كل إنسان عشان يعيش”.

* أخيراً.. هل الإنشاد مدرسة تحتاج إلى الاستعانة بعلوم وفنون عصرية أم يقوم في الأصل على الموهبة؟
“مفيش شك إن كل حاجة محتاجة تتطور وتستفيد من العصر اللي احنا فيه لكن الموهبة في الإنشاد هي الأساس، فمثلاً سلطان المداحين أحمد التوني لم يكن لديه علم نغم لكن ربنا حباه بصوت صعب نكرره، وإحنا حالياً بنستفاد ونطور من نفسنا في حدود الضوابط والمعايير اللي عليها أهل التصوف والإسلام لأننا في الأول والآخر لون ديني”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى